الشنقيطي

218

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [ 40 ] . لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر ، ولكنه بين في سورة مريم أنه بلغ من الكبر عتيا . وذلك في قوله تعالى عنه : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) [ مريم : 8 ] والعتي اليبس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكبر . وقال ابن جرير في تفسيره : وكل متناه إلى غايته في كبر أو فساد أو كفر فهو عات وعاس قوله تعالى عن زكريا : وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [ آل عمران : 40 ] لم يبين هنا هل كانت كذلك أيام شبابها ، ولكنه بين في سورة مريم أنها كانت كذلك قبل كبرها بقوله عنه . وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً [ مريم : 8 ] الآية . قوله تعالى : قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً [ 41 ] . لم يبين هل المانع له من كلام الناس بكم طرأ له ، أو آفة تمنعه من ذلك . أو لا مانع له إلا اللّه وهو صحيح لا علة له . ولكنه بين في سورة مريم ، أنه لا بأس عليه . وأن انتفاء التكلم عنه لا لبكم ، ولا مرض وذلك في قوله تعالى : قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) [ مريم : 10 ] ؛ لأن قوله سويا حال من فاعل تكلم مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الإعجاز وخرق العادة ، لا لاعتقال اللسان بمرض ، أي : يتعذر عليك تكليمهم ولا تطيقه ، في حال كونك سويّ الخلق سليم الجوارح ، ما بك شائبة بكم ولا خرس ، وهذا ما عليه الجمهور ، ويشهد له قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) [ آل عمران : 41 ] . وعن ابن عباس : « أن سويّا عائد إلى الليالي » أي : كاملات مستويات ، فيكون صفة الثلاث ، وعليه فلا بيان بهذه الآية لآية آل عمران . قوله تعالى : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [ 45 ] الآية . لم يبين هنا هذه الكلمة التي أطلقت على عيسى ؛ لأنها هي السبب في وجوده من إطلاق السبب وإرادة مسببه ، ولكنه بين في موضع آخر . أنها لفظة كن وذلك في قوله : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ [ آل عمران : 59 ] وقيل : الكلمة بشارة الملائكة لها بأنها ستلده واختاره ابن جرير ، والأول قول الجمهور . قوله تعالى : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [ 46 ] . لم يبين هنا ما كلهم به في المهد . ولكنه بينه في سورة مريم بقوله : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا